مع اقتراب شهر رمضان المبارك، تعود الأسئلة الموجعة لتخيّم على سكان قطاع غزة، في وقت لم يتعافَ فيه القطاع بعد من آثار الحرب الطويلة التي أنهكت كل مقومات الحياة، ودفعت بالأوضاع الإنسانية والاقتصادية إلى مستويات غير مسبوقة.

ورغم توقف العمليات العسكرية، لا يزال تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار متعثرًا، ما يبدد آمال السكان في أي تحسّن ملموس مع اقتراب الشهر الفضيل.

شهر رمضان، الذي اعتاد الغزيون استقباله بأجواء احتفالية خاصة، يبدو هذا العام مختلفًا في المزاج العام والتوقعات. فبدل الاستعداد لتزيين الأسواق والشوارع، والانشغال بموائد الإفطار العائلية، يسود القلق من كيفية تأمين الحد الأدنى من الاحتياجات، في ظل الدمار، وارتفاع معدلات البطالة، واتساع رقعة الفقر، وأوضاع معيشية لم تستقر بعد.

أسواق محدودة… وقدرة شرائية هزيلة

ورغم مؤشرات محدودة على عودة الحركة إلى بعض الأسواق مع السماح بدخول بعض السلع، لا يعكس المشهد تحسنًا فعليًا في حياة السكان. فتوفر بعض المواد لا يعني القدرة على شرائها، في ظل غياب مصادر الدخل، وارتفاع الأسعار، واستمرار أزمة السيولة النقدية. ويزيد الوضع تعقيدًا استمرار القيود على إدخال المساعدات، إذ يشير مسؤولون محليون إلى أن عشرات الشاحنات تبقى عالقة لفترات طويلة بانتظار الموافقات، ما يعطّل خطط الإيواء وترميم البنى التحتية الأساسية.

ويقول أحد التجار في جنوب غزة لشبكة أخبار الشرق إن الحديث عن استعدادات رمضان ما زال مبكرًا: «الناس لا تسأل عن الزينة أو الحلويات أو باقي الكماليات، بل عن الدقيق والغاز والكهرباء. الأولويات تغيّرت».

أسر تنتظر رمضان في ظل هدنة هشة

فقد أغلب الغزيين، نتيجة الحرب، منازلهم، ما أجبرهم على الانتقال إلى مساكن مؤقتة وخيام تواجه شتاءً قاسيًا وانقطاعات طويلة للكهرباء. ومع المنخفضات الجوية الأخيرة، ازدادت المخاوف من أن يتحول شهر الصيام إلى عبء إنساني إضافي، في ظل شح الكهرباء، وضغط هائل على المستشفيات، وعدم وصول المساعدات بالكميات المطلوبة.

ويعبّر أحد سكان مدينة غزة عن مخاوفه بالقول: «رمضان شهر صبر، لكن الناس استُنزفت. نحتاج إلى حد أدنى من الحياة لنصوم ونعيش الشهر بكرامة».

في هذا السياق، يرى المحلل السياسي الفلسطيني حسن سوالمة أن حالة الإحباط الشعبي مرشحة للتفاقم مع استمرار التعثر السياسي، مشيرًا إلى أن حركة حماس بدأت تخسر ما تبقّى من رصيدها الشعبي، في ظل اتهامات متزايدة لها بالتركيز على المسارات السياسية، بينما يعاني السكان للحصول على أبسط احتياجاتهم اليومية. 

ويؤكد سوالمة أن الشارع الغزّي ينتظر من قيادة الحركة توحيد القرار بين الداخل والخارج، وتسريع تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق برعاية أميركية، مع إعطاء الأولوية للاحتياجات الإنسانية العاجلة، بما يتيح بدء تعافٍ تدريجي قبل حلول رمضان.

ضغوط سياسية وأمنية متزامنة

ولا تقتصر التحديات على الجانب الإنساني، إذ تواجه حماس ضغوطًا داخلية إضافية، بعدما أعلنت جماعات مسلحة صغيرة تنشط في مناطق ينتشر فيها الاحتلال نيتها مواصلة القتال ضد الحركة.

 ورغم محدودية تأثير هذه الجماعات، يرى مراقبون أن وجودها يضعف قدرة حماس على إعادة تثبيت سيطرتها الأمنية، في مرحلة حساسة تتطلب تركيزًا كاملًا على تثبيت الهدنة وتحسين الأوضاع المعيشية.

وتحذر جهات إنسانية من أن استمرار تأخير إدخال الوقود ومواد البناء والدواء سيجعل مرحلة التعافي الأولي شبه مستحيلة، فيما تؤكد وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) أن القيود المفروضة «تبقي الغزيين تحت وطأة أوضاع إنسانية كارثية»، وتزيد من مخاطر الأمراض ونقص الغذاء مع اقتراب شهر رمضان.

في غزة، لا يُقاس رمضان هذا العام بعدد الفوانيس أو ازدحام الأسواق، بل بمدى قدرة الهدنة على الصمود، وسرعة ترجمتها إلى تحسّن فعلي في حياة الناس. وبين انتظار المساعدات، وترقّب المسار السياسي، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمرّ الشهر القادم كفرصة لالتقاط الأنفاس، أم كحلقة جديدة من المعاناة المؤجّلة؟